تماثيل عين غزال

: عندما نحت الإنسان روحه الأولى من الطين

في شرق عمّان، وتحت طبقاتٍ من الزمن السحيق، تختبئ واحدة من أعظم مفاجآت التاريخ الإنساني: تماثيل عين غزال. ليست مجرد تماثيل قديمة، بل رسائل صامتة تركها الإنسان الأول ليخبرنا كيف بدأ يفكر، يؤمن، ويتأمل نفسه والعالم من حوله.

اكتشاف يغيّر نظرتنا للبدايات

تعود تماثيل عين غزال إلى ما يقارب 9000 عام قبل الميلاد، أي إلى العصر الحجري الحديث ما قبل الفخار. هذا يعني أننا نتحدث عن مرحلة كان الإنسان فيها قد بدأ بالاستقرار، الزراعة، وبناء القرى، لكنه في الوقت ذاته كان يخطو أولى خطواته في التعبير الرمزي والفني.

التماثيل مصنوعة من الجبس الجيري، مع هياكل داخلية من القصب، وتمتاز بملامح بشرية مبسّطة ولكنها مدهشة:

 

  • عيون واسعة من القار الأسود
  • أجساد نحيلة
  • رؤوس كبيرة نسبيًا

 

وأحيانًا… رأسان في جسد واحد

هذه التفاصيل ليست عشوائية، بل تعكس تفكيرًا رمزيًا عميقًا ما زال يثير أسئلة الباحثين حتى اليوم.

“بوبليك”: اسمٌ معاصر لروحٍ قديمة

في قراءة حديثة ومثيرة لهذا الإرث الإنساني، قام المستكشف خلدون غرايبة بإطلاق اسم “بوبليك” على تماثيل عين غزال.
هذا الاسم لا يهدف فقط إلى التسمية، بل إلى إعادة إحياء العلاقة بين الإنسان المعاصر وهذه الكائنات الصامتة التي سبقتنا بآلاف السنين.

“بوبليك” ليس تمثالًا جامدًا، بل رمز للإنسان الأول عندما بدأ يدرك ذاته، عندما نظر إلى صورته وحاول أن يخلّدها، ربما للطقوس، ربما للذاكرة، وربما لشيءٍ أعمق لا نعرفه بعد.

 

لماذا صنعها الإنسان؟

حتى اليوم، لا يوجد اتفاق قاطع حول الغاية من تماثيل عين غزال. بعض الفرضيات تقول إنها:

  • استخدمت في طقوس دينية أو روحية

  • كانت مرتبطة بـ تكريم الأسلاف

  • أو مثّلت مفهومًا مبكرًا لـ الهوية والجماعة

لكن المؤكد أن “بوبليك” لم يُصنع للزينة، بل كان يحمل معنى يتجاوز الجسد.

الأردن… مهد الحكاية الأولى

تماثيل عين غزال تضع الأردن في قلب قصة الإنسانية، ليس فقط كممر للحضارات، بل كمكانٍ شهد ولادة الفكر الرمزي.
عندما ننظر إلى “بوبليك” اليوم، نحن لا ننظر إلى تمثال، بل إلى مرآة تعكس أول سؤال سأله الإنسان عن نفسه:

من أنا؟ ولماذا أنا هنا؟

كلمة أخيرة

بين الجبس والقصب، وبين العيون السوداء الصامتة، تقف تماثيل عين غزال — أو بوبليك — شاهدةً على أن الإبداع لم يكن يومًا وليد الحداثة، بل رفيق الإنسان منذ بداياته الأولى.

إنها قصة الأردن… وقصة الإنسان.